منتدى دور الحب

اهلا بالزوار ارجوا التسجيل لغرض التسلية والمعرفة في منتدى دور الحب

من المنتديات الترفيهية


    تراث العراق

    شاطر
    avatar
    عمر الجريح
    رئيس الاعضاء
    رئيس الاعضاء

    عدد المساهمات : 17
    نقاط : 293501
    السٌّمعَة : 10
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010
    العمر : 28

    تراث العراق

    مُساهمة من طرف عمر الجريح في الجمعة يناير 22, 2010 1:54 am

    لا تزال رسائل المس بيل مصدرًا مهمًا من تاريخ العراق؛ قبل وبعد تأسيس الدولة العراقية، وستظل مادة أساسيّة لقراءة تاريخ العراق المعاصر، وهذا الضرب من المنتج الفكري والأدبي والتاريخي التوثيقي يدعى بـ«أدب الرسائل»، وهو ما زال شحيحًا في الثقافة العربية. بيد أن ثمة استثناءات صادرة، كما هو حال رسائل الضابط الإنكليزي سيرل بورتر الذي وضع أقدامه على أرض العراق مع جحافل الجيش الإنكليزي المهاجم من الفاو إبّان أحداث الحرب العالمية الأولى في العام 1914. ويبدو أنه غرس أقدامه بقوة في الأرض التي وطئها، فشغف بأهلها وهام بسياقات حياتها، وغمرته أحداثها، حتى تاق إلى نقل تلك الأحاسيس المرهفة إلى شقيقته دورا القاطنة في بنكلور المدينة الواقعة جنوبيّ الهند حيث مكث وعائلته منذ عقود خلت من وجود الإنكليز في الهند.
    سرد سيرل بورتر باسلوب مشوق ولماح، ووصف العراق والعراقيين وتقاليدهم وأدق تفاصيل حياتهم في رسائله. وحدث أن جمعت دورا الرسائل التي حصل عليها بعد وفاتها المفاجئة في بورتسموث في العام 1947، بعدما وصلتها قادمة بسفينة من الهند. ثم حدث أن شغفت بالعناية بها وجمعها وتبويبها ثم تعريبها ابنته أمل التي كانت نتاج زواج سيرل من لولو البغدادية العراقية رغم ما حل ببعض الرسائل من مصير مجهول بين رزم ما صودر من أوراق للسيدة أمل، وأمسى جزءاً من غنائم قبوات أجهزة مخابرات السلطة البائدة. وهكذا يمكن حصر أحداث الرسائل بين أعوام 1914و1947.

    آل بورتر
    وأمل بورتر من الشخصيات النافذة في الثقافة العراقية. فولادتها ونشأتها عراقيتان، وثقافتها موسوعية متعددة المصادر، وسيان عندها الخبرة في اللغتين الإنكليزية والعربية، وهو أمر نادر الحدوث. الأستاذة أمل قامت بتعريب وتبويب رسائل والدها في الكتاب الذي صدر حديثاً عن دار ميزوبوتاميا في بغداد، في طبعة أنيقة. كان قد شغف بتلك الرسائل الدكتور المعمار علي ثويني، وساهم في التعريف بالرسائل منذ سنوات عدة، وقدم للكتاب ذاكرا: سيرل بورتر (بورتر تعني باللاتينية البواب)، عاش في الفترة نفسها التي عاشت خلالها الخاتون (بيل) حتى وفاتها المفاجئة في العام 1926. وكان يشكو من عنجهيتها وطبعها البورجوازي والرجولي، وذكر أنه كان يشاهدها تمتطي حصانها على شاطئ دجلة، متمشية مع عشيقها العراقي الشاب (ناجي الكرادي). وربما يكون هذا الاسم هو المصدر في التسمية التي أطلقها العراقيون على الانكليزي (أبو ناجي).
    وسيرل بورتر (بريطانيا 1895-بغداد 1967) شخصية تناستها الأحداث، لا سيما بعد المناخات التي غطت على العراق بعد ثورة تموز 1958، وقد قام، في أثناء مكوثه في العراق، بتأسيس منظومات الكهرباء فيه، فهو من أسس أولى محطات توزيع الكهرباء في بغداد وكركوك، وكم أتمنى أن يكون لدينا مثله ليجد لنا حلا سحريا اليوم.
    لقد مكث بعد رحيل جُلّ الجالية الإنكليزية، التي لم يكن يهتم بطقوسها، وربما يكون هذا السبب وراء قطيعته للمجتمع المخملي البريطاني الذي كان يعيش مترفعا على سواد العراقيين. مردّ ذلك ربما إلى سجية متواضعة، ودمثة وشغوف بطبقات الناس الدنيا وعامتهم، ونزعة إنسانية جعلته يندب ويبكي بشدة استغربها حتى أولاده حينما اغتيل المهاتما غاندي (1869-1948)، وهو يصرخ: بابي. بابي. لقد قتلوا الإنسانية في قتلك. وعحب سيرل صدق مشاعره وتوجهاته الفكرية الإنسانية الوسطية التي تتبنى هموم الناس وترسم احلامهم في الخلاص والقسطاس.

    خزعليّة العراق
    نجد في الرسائل فضاءً رحباً وعفوية في البوح، من دون تكلف أو محاباة أو طلب إعجاب ممّن يطلع عليها، فلم يدُرْ في خلده أن رسائله ستكون محل حظوة ابنته، ثم لتكون مقروءة بعد وفاته بأربعة عقود ونيف، وستؤرخ لمرحلة تأسيس العراق الذي مكث شاكيًا باكيًا من الاستلابات المتكررة والانحبارات المتراكمة. والأهم أن في ثنايا السرد يمكث الكثير من العظة التي يوجهها لمن أحبهم صادقا، في عراق كان يحلم في أن يكون مضيئا ويانعا.
    كان مغرما بعيون النساء ورقة طبعهن، حتى القرويات منهن وإحداهن (خزعلية) الجميلة المدبرة التي تشع كلماته شغفا وعشقا وإعجابا بتلك المعيدية التي لم تأخذ قسطها من التعليم، لكن سمات التجمل والجمال والخبرة الشهرزادية كامنة حية فيها منذ أنانا وعشتار. ففي إحدى رسائله يذكر: انني عاشق الهندسة والرياضيات وأصبحت دانتي القرن العشرين... لن أؤلف كتابا أهم من الكوميديا الإلهية، بل سأقوم بعمل جبار وعظيم جدا وهو خلق سجادة طائرة، وسأنتج منها الآلاف وأعممها لكل أهالي بغداد. إنني الآن أحلق عاليا في السماء، على بساط سندسي، لم أسرقه من علاء الدين، ولم يجلبه لي الجني، ولم تمنحني إياه شهرزاد، بل أوحته لي بياتريس العراقية الرائعة. وفي إحدى رسائله يصف لأخته أزقة بغداد وجماليتها يذكر: أزقة بغداد الضيقة لها جماليتها العالية، لا أعتقد ان من شقها قد تجاهل ذلك، وكما يقول سكانها أن هذه الأزقة تمتد عميقا في التاريخ ولا فضل للعصملي فيها أبدا، لقد أهمل الأتراك هذه البلاد تماما. ويتناقل القوم طرفة تحكى عن الحاكم التركي المنقول حديثا إلى بغداد، بعد أن غضب عليه أسياده هناك، حينما كانت ولاية بغداد منفى للمغضوب عليهم. ويصف سيرل الحياة البغدادية فيذكر أن صاحب محل البقالة يصنع في بيته، أو يشتري ممن يصنع في حقله اللبن والجبن والقيمر (بالمناسبة هل حكيت لك عن القيمر أم لا قولي لي لأحدثك عن ألذ ما أكلت طوال عمري الذي عشته في الهند أو أوروبا) لا أفران للخبز بالشكل الذي قد اعتدنا عليه، فكل عائلة توفر لنفسها خبزها، الحياة هنا رائعة، لم تفسد بعد، كل شيء لم تمسه يد الصناعة، هل ستبقى هذه الواحة الصحراوية لي كما أراها الآن... أكاد أسمعك تقولين: يالرومانسية! نعم أشعر بالرومانسية والفوضى تغمرانني الآن. تحاول إدارة القوات إيجاد حكومة مناسبة، وتضارب الآراء والمصالح يعيق كل شيء، وهذا البلد مقسم في أفكاره وتطلعاته, لقد انتهت الاضطرابات الآن، وكانت في أوجها في شهري حزيران وتموز.
    نجد في ثنايا الرسائل الكثير مما يمكن أن نطبقه على أحوال اليوم، فالعراق لم يتبدل رغم تلون المناخات، والناس هم الناس.

    الإنكليزي العراقي
    لقد تناست الأحداث هذا الرجل وغاب مثلما الكثير من المشاريع البشرية التي طوتها الأحداث والأيام، ولاسيما بعد ثورة تموز 1958، بعد أن طفحت طبقات جديدة على سطح المجتمع؛ كان مصدرها الريف، بخلاف الطبقات المخملية السابقة المنحدرة من بيوتات الذوات، وطبقات السلطة الوارثة والمورثة بعضها للبعض، وسادت، بعد تأسيس الدولة العراقية، ثم بادت. ويبدو أن الدولة التي نقلتها الخاتون بيل مسطرة على الورق إلى تجسيدها كدولة منعحبة في النفوس والضمائر، لم تكن متجانسة البتة، وربما أريد لها أن تكون كذلك مثلما هو حادث اليوم، فثمة من مكث يحمل الضغينة على المسحوقين أو يجهلهم، وشعر بعلياء منزلته وقامته فوق قامات أهل البلاد، وهذا ما ازدراه سيرل بورتر بدون مهادنة، بعدما سكنته ملائكة العراق فأحبه وأهله وثقافته، وعشق الحياة الوادعة فيه وطرائق العيش والأكل وتزوج مرتين من سيدتين عراقيتين. بعد وفاة الأولى اقترن بالثانية، ومكث يلهج لأبنائه بمحبة العراق، وأنه أحسن من بريطانيا، وأن أناسه هم الأطيب الذين يمكن العيش بينهم، وحين سألوه عن السبب وراء عدم رغبته في العيش في بريطانيا، كان يجيبهم بعفوية: أنتم لا تعرفون قيمة هذا البلد، فالعراق خير بلدان الدنيا. وتقمصته الثقافة العربية، ولم يزدرها كما البعض، حتى كان يصحح المفردات لأبنائه. تحكي أمل أنها حينما كانت صغيرة وهي خارجة بمعيته من الدار أطلقت كلمة «زبل» على ركام البناء في الخارج، فقال لها «ليس اختيل وإنما أنقاض».
    كان يحضر صخب الجالغي ويهيم في طرب سليمة مراد ومجالس الأنس البغدادية وشط دجلة، وسرد خواطره عن أرشد العمري الذي اعتمده في مشاريعه، والشاي المهيل من يد خزعلية، ومفارقات الحياة في كركوك المزدانة بتلاوينها، وكلها خواطر جديرة بالتأمل والإيحاء والقراءة النفسية والاجتماعية. توفى سيرل الإنكليزي البغدادي في العام 1967 وكان يوصي بأنه لا يبرح ثراها، فدفن في بغداد ليكون روحا وجسدا فيها.

    [/size]

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 15, 2017 6:32 pm